محمد محمد أبو ليلة
36
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
يصطفيه من البشر « 1 » . اتخذ الكرماني من عبارة " باسم ربّك " دليلا على أن البسملة من القرآن ؛ ولكننا نرى أن هذا الاستدلال بعيد ؛ فالبسملة بصيغتها المعروفة ، غير مصرح بها في ابتداء آيات سورة العلق التي نزل بها جبريل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الغار ، ولا في أحاديث بدء الوحي كذلك ؛ ثم إن عبارة " باسم ربّك " تختلف عن عبارة " باسم اللّه " ، التي تختص محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالخطاب التربوي التعليمي ؛ ثم إن الآيات متصلة لم يتخللها شيء من خارجها ، ولو أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قرأ البسملة مفتتحا بها قراءته لهذه الآيات ، لكان قد بلّغها للسيدة خديجة ، ثم للصحابة من بعدها ، وهو ما لم يحدث ولم يصلنا فيه علم . نقل القرآن عن كفار مكة قولهم : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 15 ) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 16 ) ( يونس : 15 - 16 ) نزلت هذه الآيات في قريش عندما طلبوا منه قرآنا يوافق هواهم في الحلال والحرام ، والعقيدة والعبادة ، والمعاملات ، والسلوك ، وإذن اتخذوه صلى اللّه عليه وسلم خليلا ووافقوه وواصلوه ؛ إلا أنّ ردّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم جاء حاسما ومفحما : ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي يعنى أن اللّه تعالى هو منزل الكتاب ، وصاحب الخطاب ، والمتصرف في الوحي والرسالات ، وإنما أنا متلق ومبلّغ ، فإذا شاء اللّه تبديل القرآن استجابة لكم ، بدّله ، فهو سبحانه وتعالى مطلق المشيئة . ليس في هذا الكلام أي إشارة إلى إمكان تبديل القرآن ، وهذه الآية لا تعني أكثر من طريقة في الخطاب ، ومنهج في الحجاج ، وهو من باب قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ( الأنبياء : 22 ) ، إذ ليس فيه دليل ولا تقرير على إمكان وجود إلهين للكون ، وإنما على العكس ، فيه تأكيد استحالة وقوع ذلك ، عن طريق ردّ المخاطب إلى النظر في النظام الكونىّ المعجز الدالّ على الوحدانية والقدرة والحكمة ؛ ومن هذا أيضا قوله تعالى : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ( 81 )
--> ( 1 ) الكرماني - شرح صحيح البخاري ج 1 ص 34 - ( المطبعة المصرية 1933 ) .